Image default
Home » بائع العملات
Places

بائع العملات

أثناء قيادتنا للسيارة من حماة، غربًا إلى الريف، نظرت إلى الخارج وتأملت المحيط حولي. لطالما أحببت الريف السوري. له روح مميزة وهادئة وخالدة لدرجة أنني تساءلت أحيانًا كيف يمكن أن يتعايش مع القرى المجاورة.
كانت أشجار الزيتون مصفوفة بدقة متجاورة، تقريبًا بنفس الارتفاع والشكل، على التلال المتموجة. بدت أشجار الفستق أيضًا متشابهة كثيرا.

كانت روح بساتين الريف تحمل القليل من الشبه بالقرى المجاورة، حيث تنتشر المباني الجامحة. بدت بعض المباني مهجورة بينما كان البعض الآخر مكتظًا بالناس. لسبب ما كان هناك دائمًا الكثير من الهياكل الخرسانية غير المطلية وغير المكتملة. ثم كانت هناك اللافتات التي تعلن عن “بروستد” الدجاج المقلي الجديدة التي ظهرت في كل مكان في سوريا والتي كانت جميعها تقريباً تحمل نفس الشعار: “لسنا الوحيدين، لكننا بالتأكيد الأفضل”. ستتبدد هذه المشاهد الفوضوية ببطء كلما ابتعدت عن الريف، حيث كانت الأرض فارغة ولكن تغمرك في رونقها البسيط.

كنت أنا وصديقي المفضل بشر نحب الذهاب في رحلات برية في عطلة نهاية الأسبوع من دمشق. سوريا دولة كبيرة،  للقيام بجولة تحتاج الى تخطيط مسبق وكان عدد قليل جدًا من الناس من حولي مهتمين باكتشاف أجزاء مختلفة من سوريا ماعدا صديقي بشر. ففي عطلة نهاية الأسبوع تلك بالتحديد في أوائل أيام ربيع 2007، اتجهنا نحو أفاميا ، التي تقع على بعد بضعة كيلومترات من وسط مدينة حماة.

وصلنا أفاميا بعد حوالي ثلاثين دقيقة. تتبعنا اللافتات لنصل هناك ومن المضحك أنه كلمة “أفاميا” كتبت على اللافتات بخمسة طرق مختلفة باللغة الانكليزية.

 وصلنا أخيرًا إلى الموقع التاريخي. تنبع روعة أفاميا من كونها خارجه عن المكان بشكل ساحر وكأنك سافرت عبر الأزمان. كانت أعمدة أفاميا واحدة من أكبر الأعمدة التي رأيتها في حياتي على الإطلاق. حتى في روما نفسها، لم أتذكر أنني رأيت مثل هذا الهيكل الرائع. توقفنا في طريق ترابي قريب، ولاحظنا وجود مرشدين سياحيين أكثر من السياح نفسن.  عند الدخول دفعنا الرسوم المخفضة المخصصة للسوريين، والتي أقرتها الدولة في محاولة لتشجيع السكان المحليين على زيارة أطلالهم التاريخية. كنا السياح السوريين الوحيدين في ذلك اليوم.

سمعنا ضجيج من قبل أحد منظمي الرحلات السياحية وهو يصيح “أنت تعرف أن هذا البرج قد تم بناؤه بواسطة العظيم…”، مما أجبرنا على الاستماع إلى قصته “الفظيعة” خلف الأعمدة. نظرنا بعيدًا بعدم اكتراث وعبرنا عن عدم اهتمامنا.

كان الهيكل فخمًا بشكل لا يصدق. تصطف سلسلتان متوازيتان من الأعمدة المرتفعة بشكل مثالي. التقطنا بعض الصور وتجولنا في المكان، حتى جاء شخص يحمل كيسًا بلاستيكيًا أسود بالقرب منا وهمس بأذنينا:

“لدي بعض العملات البيزنطية والرومانية القديمة. تريد أن تلقي نظرة؟ سأعطيك سعرًا رائعًا “علمت أنا وبشر أنها مزيفة، لكنها أثارت فضولنا. أراني البائع ثلاث عملات معدنية داكنة. في اللحظة التي رأيت فيها أحدهم، علمت أنه يجب عليّ شرائها. يظهر تمثال نصفي لما يشبه إمبراطورًا أو حاكمًا رومانيًا، مع بعض الأحرف الرومانية ثم توسيطها كلمة L”. Romani”. كان التشابه مع اسمي لؤي روماني لا يُصدق. كان العثور على عملة في سوريا تحمل اسمي (تقريبًا) شيئًا كنت بحاجة إلى الحصول عليه. حقيقة أنها لم تكن قديمة حقًا لكنني أردت اقتناها. لقد شعر البائع، مثل أي تاجر سوري جيد، بالشرارة في عيني. هذا وضعه في موقف تفاوضي أقوى. دفعت ما يعادل حوالي عشرة دولارات وسرت بسعادة مع عملتي المعدنية. ربما كان بإمكاني شرائه بثلاثة دولارات، لكنني ما زلت سعيدًا جدًا بعملية بشرائي.

أراد بشر شيئًا لنفسه أيضًا، فطلب من البائع أن يريه ما لديه. أشعل البائع سيجارة، وبينما كان يأخذ قطعة نقود، لاحظ شخصًا ينطلق في صف الأعمدة. سرعان ما ألقى سيجارته وحزم حقيبته وهرب، قبل أن يقفز إلى أحد الجانبين وينزل في الوادي القريب حتى لم يعد بإمكاننا رؤيته. نظرنا خلفنا ورأينا رجلاً نبيلاً ذا شارب كثيف. لم نتمكن من معرفة هويته، لكنه كان يبدو شخص ذو سلطة.

“المعذرة، أيها السادة، ولكن ماذا كان هذا الرجل يبيعك؟ هل استدرجك لشراء واحدة من عملاته النقدية؟ “

قلت “نعم، لكن لا بأس”.

انا من وزارة السياحة. هؤلاء الباعة لا يصدقون. إنهم يصوغون العملات ويخدعون الناس ليعتقدوا أنهم حقيقيون ويكسبون عيشهم منها هل يمكنك تصديق ذلك؟ وحتى لو وجدوا عملات معدنية حقيقية؛ كيف يبيعها؟ هذه كنوز تنتمي إلى 

المتاحف. هذه كنوز سوريا! “

نعم هم كذلك، وعليك مراقبتهم بشكل أفضل؛ هؤلاء الناس يسؤن لسمعة سوريا “أجاب بشر. نحن سكان محليون، لذا لا بأس، لكن تخيل ما قد يفكر فيه السائحون إذا واجهوا مثل هذا الشخص.

بدا موظف الوزارة مضطربًا بعض الشيء. “أيها السادة، هل أنتم صحفيون؟  “بالطبع لا”، أكيد لا. هنا بالموظف مرتاحاً للغاية.

“كما تعلمون، لا نريد صحفيين يأتون إلى هنا من دمشق ويعطينا سمعة سيئة. نحن نعمل بجد للحفاظ على هذا الهيكل الشهير سليمًا وفي حالة جيدة. سعيد برؤيتك يبدو أنك تستمتع بوقتك. “

شكرناه، وودعناه، وعندما استدرنا لمواصلة جولتنا، سمعناه يتحدث إلينا، هذه المرة بنبرة مختلفة قليلاً:

“السادة الأفاضل؛ إذا كنت تبحث عن عملات رومانية حقيقية، فلقد وجدت ضالتك. مد يده إلى جيوبه وأرانا ثلاث عملات معدنية. على عكس تلك التي رأيناها سابقًا، بدت هذه قديمة حقًا.

Apamea by Arian Zwegers / CC by 2.0
Apamea, Shepherd by Arian Zwegers / CC by 2.0

مقالات ذات الصلة

Leave a Comment

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. قبول Read More