Image default
Home » ليلة الخميس الساعة التاسعة
الأماكن ذكريات

ليلة الخميس الساعة التاسعة

في دمشق القديمة، وهي مدينة ليست في قلب دمشق وإنما في قلب كل من زارها

دمشق القديمة، أحبّها لأنها تمثال دمشق في خيالي وهويتي على صدري، أخاف على حيطانها العتيقة كما أخاف على صحة جدتي، وأحب أن يلفني حنان خشبها فهي جدتي

لمن أبوح بحكاياي وأنا في القيمرية؟ لمن أفشي الأسرار وأنا في ساحة المسكيّة؟ لمن أغني وأنا في باب شرقي؟ ولمن أتعب وأنا في سوق مدحت باشا؟ ولمن أصلي وأنا في الجامع الأموي!؟

لمن غيرك يا دمشق؟ يا قريبة لكل مسافر

أي عالم في دمشق القديمة، وأي عطر يعبق من شقوق جدرانها، وأي مجد يطل من أبوابك السبع!؟

دمشق يا حبيبة

…قصّة

ساحة باب توما، عند الدرج، هذا المكان الذي يتواعد عنده كل أهالي دمشق، وخاصة مساء الخميس، وعند هذا المكان لي حكاية

:المشهد الأول

الزمن: ليلة الخميس الساعة التاسعة

البطل: أنت

شعرت بالملل، نزلت أتجول في ساحة باب توما، وقفت عند “الدرج” مدّعياً بأنني انتظر أحد الأصدقاء

نساء جميلات تمر من جانبي، رجال أنيقة، عطور فرنسية تفوح من المارة، بريق المجوهرات والساعات الجميلة، سيارات فارهة يترجل منها سيدات بأبهى حالاتهن، وأنا الذي يعيش في هذه المنطقة منذ حوالي 5 سنوات، كنت أرتدي شورت وتي شيرت وترينر، لكن لا شك كنت أنظر إلى ساعة يدي بين الفينة والأخرى، مدّعياً بأن الطرف الثاني قد تأخر عن موعده، وفي بعض الأحيان، أحاول النظر إلى الموبايل، كي أعرف إن كان الطرف الآخر (الافتراضي) قد اتصل أو أرسل رسالة نصية كي يعتذر، لكن لا جدوى لا أجد اتصالاً ولا رسالة

أقرر المشي في دمشق القديمة

بالرغم من زحام ليلة الخميس الساعة التاسعة

دخلة حمام البكري، اتجهت يساراً، مطعم ندى الأيام، مطعم سيلينا، اتجهت يميناً، محلات لطيفة وواجهات عرض جميلة للألعاب والهدايا، أمشي وأمشي واخترق المارّة، زحام جميل، وضيق واسع لحارات حنونة

يال تلك الطاقة الإيجابية العالية التي تشحنك بها تلك الاصطدامات مابين الحيطان القديمة وأكتاف الناس السعداء، فعندما تنتهي من شارع القيمرية وتصل إلى مقهى النوفرة ودرج الجامع الأموي، تشعر وكأن تطير من السعادة وخاصة بعد أن أكلت الكروسان الساخنة من عند الفرن الشعبي على إيدك الشمال، تلك الكروسان الشعبية التي تتفوق بهويتها السورية  الأوريجينال على أشهى المخبوزات الفرنسية.

طاقة، حماس، سعادة، تفاؤل، جنون، كل هذه المشاعر تسرح وتمرح في داخلك وأنت لاتعرف الأسباب، كل ما تدركه بانك تريد الرقص، او ربما التحليق

أجلس على الدرجات ومقهى النوفرة على يساري وباب جيرون للجامع الأموي خلفي، ولاشك أن عرنوس الذرة المسلوق في يدي اليمنى

:المشهد الثاني

الزمان: ليلة الخميس الساعة التاسعة

البطل: أنت

سيقان وأقدام تمر من جانبي، فأنا على ارتفاع الرُكبة، ضحكات الفتيات ترن، الشبان يلقون بعض التعليقات اللطيفة “تلطيش”. وأنا ممثل الدور الواحد، المشهد نفسه (انتظار) لكن الانتظار هذه المرة مختلف، فأنا على هذا الدرج انتظر  أحد زبائن مقهى النوفرة ليغادر الطاولة وأجلس محله، وكون هذا الأمر مستحيلا في ليلة الخميس الساعة التاسعة، فأنا استطيع الجلوس براحتي على الدرج والاستمتاع بالشحن من طاقة الناس

رائحة المعسل العتيق والشاي الخمير، ضجيج لايزعج بل يؤنس، موسيقى العمالقة تنبعث من مقهى النوفرة وكأن في داخلها مسرح بالأبيض والأسود، لتتوقف هذه النغمات فجأة ويعلو صوت أذان العشاء من الجامع العلوي، وسكان دمشق القديمة فقط، هم من يعلمون سحر تلك اللحظة

يا دمشق، يا رفيقة ياسمين الشباب،  معك عرفت من أنا، رسمت ملامح كلماتي، كتبت طريقي بحروف شعرائك وكتّابك، كم من ليلة زارني نزار قباني في مخيلتي يخبرني عن رائحة ياسمينك، قدمت إليك ، أبحث عن معنى اسمي، وعن تجليات أسلافي، كيف أنساكي وإنتي الخطوة الأولى وإنتي الشهيق الأول بعد العشرين ربيع من عمري

يا هدية السماء ويا قارورة الأسرار، حملتِ كل الأحلام ولم تتعبِ، سهرت معنا على أنغام صباح فخري وأم كلثوم طوال الليل تضيئين لنا القمر ولم تتذمري، يا فاتنة الرجال والنساء، ويا أنشودة الأطفال

أدفع نصف عمري وأعود إليك ليلة الخميس الساعة التاسعة

 الصورة مشاركة عبدالسلام هيكل عن طريق ويكيبيديا

مقالات ذات الصلة

Leave a Comment

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. قبول Read More

Privacy & Cookies Policy