Image default
Home » روح للذكرى
ذكريات

روح للذكرى

homs-sabamonin

الثامن والعشرون من تشرين الثاني عام 2010 ، يومها حزمت حقائبي وودعت مدينتي متجهاً إلى دمشق . كنت أتأمل الطريق من نافذة السيارة منتظراً عودة قريبة إلى هنا . لم أكن أعلم أني أطوي صفحة أخيرة من أحد فصول حياتي، وأن ما سأكتب منذ الغد سيكون فصلاً جديداً لي ولهذه الشوارع والأبنية والأسواق ولكلِّ هؤلاء الناس . . لم أكن بعد أدرك كل تلك القسوة والحرمان التي خبّأتْها هذه الأيام لذلك الماضي الجميل. فكلّ ماعشناه في تلك الأيّام أضحى حلماً صعب المنال في المستقبل . . ولكنّني أيضاً لم أكن لألمس تلك القوة السّرمدية المولودة في داخلي والتي سترافقني وتمحني القدرة الأبدية على الاستمرار

كانت حمص تبدو من نافذة السيارة فتية جميلة مضيئة، وهي على أبواب رسم حلمها على ذلك الواقع الجميل معتمدة على جيل جديد تجمعه الرغبة في الحياة والسعي نحو التطور ومواكبة العصر لمواجهة مشكلاتها. وعلى طريق السفر الطويل يخطر في بالك العديد من الذكريات والأحداث وخصوصاً لحظات الوداع . . لحظات الوداع التي تحدث تلقائياً . . ولكنّ لحظة الوداع في هذه الليلة كانت مرسومة منذ زمن، لذلك كانت أقسى وأكثر حزناً من غيرها . . وأكثر ألماً وطولاً، تبدأ منذ لحظة قرار وجودها إلى يوم تنفيذها

hovic

مازلت أتذكر كيف انتهى ذلك الاتصال الأخير الذي أنهينا فيه علاقةً صادقة جمعتني معها لأسباب تبدو دينية من الخارج واجتماعية من الداخل أو لربما لأننا لم نقاتل العالم أكثر، كون هذا العالم معقد يقطن بين طياته عاطفة طفولية تربطنا بأهلنا، أو ربما لأنّني ذاهب إلى دمشق لأقضي خدمتي العسكرية . . وربما أشياء كثيرة.. عندما كنا نلتقي في حلب، كنا نختار شوارع وأزقة الحارات الفقيرة لنلتقي . . كونها المكان الأقل خطراً . . خطر لقاء أحد أفراد عائلتها الأرستقراطية

كانت دوماً تعاتبني أنه في أحد أيام الصيف زرت البحر دون أن أصطحبها معي . . ولكن البحر يومها كان يريدني وحدي . . كان يومها صامتاً، هادئاً منصتاً لهواجسي، موجهاً لأحلامي . . كبيراً وكبيراً جداً لم أره كبيراً كمثل تلك المرة . . تجمعني معه صداقة قديمة وأشعر بتعب مزمن إن لم أجدد جلساتي على صخور ساحله معترفاً له بأسراري مشاركاً إياه أحزاني وضعفي ودمعتي وبسمتي . . وكلّ المواقف التي ظهرت فيها شجاعاً بينما كنت في داخلي جباناً . . وكلّ أفراحي الخارجية المبطنة بأحزان داخلية عميقة . . أحبّ مواجهته . . كله . . فاللقاء معه كالقدر . . صادق وحتمي . .هاقد وصلت دمشق . . المدينة التي ترسم البلاد كما تشاء . . نمت ليلة الثامن والعشرين في دمشق واستيقظت في صبيحة التاسع والعشرين في حرستـــا . .

وإن كنت أبدو قاسياً بعد أربع سنوات مضت إلا أنّ هذه السنوات علمتني أنه لن أقدرعلى التقدم إن لم أواجه المشكلات وأسميها بمسمّياتها القاسية . . فإن فُرض الموت فليكن وإن فُرض الخوف فليكن وإن وجدتّ الحب فليكن وإن أردت الغناء سأغني وإن أمسكت أصابعي القلم فسأكتب . . . وإن أردت الحياة ستكون وكانت وستبقى

طائر الفينيق، إسم مستعار لكاتب النص

مقالات ذات الصلة

Leave a Comment

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. قبول Read More

Privacy & Cookies Policy