Image default
Home » الفرات و الزيزفون
الأماكن

الفرات و الزيزفون

الذكريات لها طعم الندى. تختلط بمشاعر كثيرة من فرح وسرور تدفعني للعودة إلى أيام في سن العاشرة من العمر وما بعدها من سنين.

عندما كنا صغاراً أنا وحسين وخليل وأحمد وعبد الله.

نلتقي بهم عند النهر، ننتظر مجيء فصل الصيف بلهفة وسرور. بعد انتهاء الامتحانات الفصلية ننطلق كالعصافير نحلق في الدروب والملاعب، إلى الحقول والفرات. رغم تحذيرات أمهاتنا وآبائنا من السباحة في النهر.

“ديرم بالكم تسبحون ها. المية مالها صديج. النهر مجراه سريع وكله سوارات. العبوا بعيد عن المي. لا تَنحدروا جوى الجرف… يا ويلادْ”.

نهر الفرات © فارس الذخيرة

لم نكن نبالي أو نلتزم بتلك التعليمات؛ نذهب إلى النهر. كان خليل طويلاً نحيلاً بيننا أشقراً ذو بشرة حمراء وشعر سلس طويل ينزل على عينيه حين يكون تحت الشمس الصيفية وحسين ذو البشرة الحمراء وشعره الكستنائي القصير والكثيف، مزوحاً جدا وفكهاً وقامته قصيرة وبدينة. لا يلحقنا عندما نركض. أما أنا و عبد الله نحيلان سمراوان وشعرنا أجعد قصير ومتوسط الطول. نركض، نقفز سواقي المياه في حقول القطن، والقمح الكثيفة الندية. وتظهر رؤوسنا فوق نباتات الحقول ونحن نقفز ماعدا خليل الذي يظهر وهو ماشيا لأنه كان طويل الساقين. تلك الحقول التي تتثاءب منها رائحة النبات المشبع بالمياه. تختلف هذه الروائح وفقاً لحركة الرياح. إن كانت غربية؛ فهي زكية، وإن كانت شرقية جنوبية؛ لا تُستساغ.  تختلط فيها حرارة الجو مع بخار ينبعث من الماء بين النباتات.

نهر الفرات © فارس الذخيرة

كالثعالب نتراكض نغني، نمرح، نضحك. بفرح وسعادة وسرور.

_ “انتبه خليل وأنت تقفز الساقية على قدميك. دائماً تركض بتهور. انتبه” 

_”لا تخاف علي. هل تُسابقوني؟” 

“أركض. أسرع. هيّا. 

نركض بعد أن رفعنا ثيابنا للأعلى، وأمسكنا أطرافها بأسناننا؛ لسهولة الجري والحركة، والقفز، فتظهر سيقاننا النحيلة البنّية وخليل ساقاه الحمراوان النحيلان كأنهما ساقا مالك الحزين. أما ساقا حسين كانتا كمن يلبس في قدميه جزما والده السوداء الكبيرة فلا يستطيع السير بها جيداً ولا الركض أو القفز مثلنا.

وربما في طريقنا مررنا إلى أحد حقول البندورة، أو الخيار، أو الباذنجان، وقطفنا منها بعض الثمار. نأكلها فوراً بعد أن مَرمحناها في ماء الساقية الجاري القادم من نهر الفرات.

لابد من الوصول إلى النهر، فور وصولنا، نخلع ثيابنا الخارجية وهي على العموم “كلاّبية”. فنبقى في لباسنا الداخلي، وهو غالبا لا يكون مخصصاً للسباحة.

نهر الفرات © فارس الذخيرة

لم يكن معنا من الصبايا في أعمارنا الغضة؛ فهن الآن مع أمهاتهن، يُساعدنهن في أعمال البيوت. ولا يسمح لهن مرافقتنا إلى النهر، ولكننا نرى بعضهن، وقد حضرن إلى النهر برفقة أمهاتهن لجلب الماء على ظهور الدواب، أو لغسيل الصوف الذي تم قصّهُ حديثاً من الأغنام. وربما نحاول الاقتراب منهن للسباحة بجوارهنّ. كنت أمهر أصدقائي في السباحة، وخليل بعدي، وحسين. وذات مرة حضر معنا عبد الله قبل المساء بوقت قليل، دخل إلى عمق المياه. غرق لولا أنّ الصياد الأخرس أنقذه، وأعاده إلى الشاطئ.

🌿

كنا نضحك من سروال أحمد الطويل الواسع، الذي يسبح به، ويمتلئ هواءً عندما يطوف فوق الماء كأنه بالون كبير.

نبرز مهاراتنا الفنية في السباحة لكسب ودّهنّ.

نسبح على الشاطئ القريب، لا ندخل إلى مسافات أعمق تتجاوز الركب.  نستطيع أن نسبح ضمنها دون خوف.

بعد أن نأخذ حصتنا من السباحة، نأتي إلى صيادي السمك ونتحدث معهم.

كان إبراهيم المخلف، صياداً ماهراً، يتركز جانب الزّل الذي شكّل مكاناً مناسباً للصيد. تتجمع المياه، وتسير باتجاه معاكس خلف الزّل. يقف في الماء الرّاكد تقريباً إلى ركبتيه واثقاً، صامتاً. سيجارته بين شفتيه دائماً. لا يسمح لنا بالاقتراب من المكان الذي يقف فيه. يقول: “إن الأسماك تهرب عندما تسمع أصواتنا”.  لكنه كان يغدق علينا بالعطاء، مع ابتسامة واسعة، وطيبة خاطر.

المنجر موطنه نهر الفرات

تندفع رائحة الماء التي اختلطت برائحة الزّل، وما تحمله الماء معها من عيدان، وطمي.

ورائحة الماء لا تزال عالقة في أنوفنا؛ لا تفارقها. والصيادون الآخرون كنا نعرفهم من أشكالهم ولباسهم لتكرار وجودهم هناك. كانوا يعطونا الأسماك التي لا يتجاوز طولها الشبر. نجمعها، وننظفها، ونشعل النار من عيدان الحطب، التي جاءت مع زبد المياه، وترسبت على الشاطئ. نشوي تلك الأسماك، ونأكلها لذيذة دون ملح أو تَبلة.

بينما كان في كل قارب صيادين اثنين أحدهم يستخدم المجداف لقيادة القارب من ضفة إلى أخرى، والآخر كان يضع الشباك في هدوء. ونحن نتعجب من ثقته، وهو واقف في السفينة.  ونعود كما ذهبنا قفزاً وركضاً، وتسابقاً. بعد أن نجفف ثيابنا الداخلية من الماء، وبعد أن نغسل أيدينا، ووجوهنا، و شعورنا، وأرجلنا بماء الصنبور من أحد البيوت المجاورة؛ كي لا نتعرض للعقوبة من أهلنا. لأنهم يتأكدون من أننا ذهبنا إلى النهر، وسبحنا من رائحة أجسادنا، ومن حَكِّهم لظاهر كفوفنا، فإذا تبين وجود خط أبيض تعرضنا للعقوبة، وإن لم يظهر ذلك نفذنا منها، وسلمنا. فكان ماء الصنبور يزيل تلك الآثار، ولو بشكل جزئي ويسير. وفي أغلب الأحيان لا تنطلي عليهم تلك الحيل،

نهر الفرات © فارس الذخيرة

وقد كنا نغني عند عودتنا أغانٍ نحفظها من تراثنا، منها: هذا البيت من “المولية”: 

سبّاحْ آني چِنت

                بفراِتنا أسبح

على جُروفِ النهر

               بِدْوابْنَا نسرح

إِخشوف وِرّدَنْ على

           المِيْرَاد والمسبح

صفصاف يَزلوفهن

             رابي على المَيّا

بيت المولية المرفق بالنص بقلم الراوي نفسه: إبراهيم المطرود.

………………………

هنا شرح بعض المفردات التي ذكرت في القصة باللهجة العامية لأهل الرقة: 

 دِيرم بالكم: صيغة تحذير بمعنى خذوا حذركم او انتبهوا

المي: الماء 

 صديج: صديق

 كلابية: هي لباس شعبي في منطقة الجزيرة والفرات

لا تَنحدروا: لا تنزلوا

 جوى: الى الأسفل 

 يا ويلاد: يا أولاد 

لا تُستساغ: لا تُطاق

 تسابقوني: الركض للسباق

 امسكنا أطرافها بأسناننا: عضضنا أطرافها بأَسناننا

مَرمحناها: غسلناها بالماء

 الزّل: هو نبات ينمو في النهر 

 چنت: كنت 

 بدوابنا: بِأغنامنا

نسرح: نأخذ الأغنام لترعى الأعشاب بالقرب من النهر.

 إِخشوف: جمع خشف والخشف هو صغير الغزال.

🌿

مقالات ذات الصلة

Leave a Comment

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. قبول Read More

Privacy & Cookies Policy